الشنقيطي

221

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ هو معنى قوله في « طه » : فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى ( 11 ) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ . وقوله بِقَبَسٍ أي شهاب ؛ بدليل قوله في « النمل » : أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ( 7 ) [ النمل : 7 ] وذلك هو المراد بالجذوة في قوله : أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ [ القصص : 29 ] ، وقوله : أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً ( 10 ) [ طه : 10 ] أي من يهديني إلى الطريق ويدلني عليها ؛ لأنهم كانوا ضلوا الطريق ، والزمن زمن برد ، وقوله : آنَسْتُ ناراً [ طه : 10 ] أي أبصرتها . وقوله : فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [ طه : 12 ] قال بعض العلماء : لأنهما كانتا من جلد حمار غير ذكي ، ويروى هذا عن كعب وعكرمة وقتادة ، نقله عنهم القرطبي وغيره . وروي أيضا عن علي والحسن والزهري كما رواه عنهم صاحب الدر المنثور ، ونقله ابن كثير عن علي وأبي أيوب وغير واحد من السلف . ويروى هذا القول عن غير من ذكر . وجاء فيه حديث مرفوع من حديث عبد اللّه بن مسعود رواه الترمذي وغيره ولا يصح . وفيه أقوال أخر للعلماء غير ذلك . وأظهرها عندي واللّه تعالى أعلم : أن اللّه أمره بخلع نعليه أن نزعهما من قدميه ليعلمه التواضع لربه حين ناداه ، فإن نداء اللّه لعبده أمر عظيم ، يستوجب من العبد كمال التواضع والخضوع . واللّه تعالى أعلم . وقول من قال : إنه أمر بخلعهما احتراما للبقعة يدل له أنه أتبع أمره بخلعهما بقوله : إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً ( 12 ) [ طه : 13 ] وقد تقرر في ( مسك الإيماء والتنبيه ) : أن « إن » من حروف التعليل . وأظهر الأقوال في قوله « طوى » : أنه اسم للوادي ، فهو يدل من الوادي أو عطف بيان . وفيه أقوال أخر غير ذلك . وقوله : وَأَنَا اخْتَرْتُكَ [ طه : 13 ] أي اصطفيتك برسالتي ، كقوله : إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي [ الأعراف : 144 ] ومعنى الاستعلاء في قوله : آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ [ طه : 10 ] أن المصطلين بالنار يستعلون المكان القريب منها . ونظير ذلك من كلام العرب قول الأعشى : تشب لمقرورين يصطليانها * وبات على النار الندى والمحلق قال تعالى في سورة « النمل » : وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ( 6 ) إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ( 7 ) فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 8 ) يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 9 ) [ النمل : 6 - 9 ] . فقوله في « النمل » : فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ هو معنى قوله في « مريم » : وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ [ مريم : 52 ] . وقوله في « طه » : فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى ( 11 ) [ طه : 11 ] الآية ، وقوله : سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ [ النمل : 7 ] هو معنى قوله في « طه » : أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً ( 10 ) [ طه : 10 ] أي من يدلني على الطريق فيخبرني عنها فآتيكم بخبره عنها . وقال تعالى في سورة « القصص » : * فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ